أحمد بن سهل البلخي
458
مصالح الأبدان والأنفس
كما قلنا - يجمع إلى منفعة الماء الحارّ منفعة الهواء الحارّ الذي يفتح مسامّ البدن ، ويحلّل فضوله . وبهذين المرفقين يكون تمام نقاء البدن من داخل . وهو يجمع إلى نقاء البدن من داخل نقاءه من خارج ، وتنظيفه من الأدران التي تجتمع ، والأوساخ التي تتركّب عليه ، فتخلص إليه لذّة نفسانيّة ؛ لأنّ نفس الإنسان مجبولة على النظافة والزينة والميل إليها ، وكراهته للوسخ والقذر والنّفار عنهما . وكلّما كانت ألطف حسّا وأطهر أخلاقا ، كان حظّها من هذا المعنى أكثر ، ونصيبها فيه أوفر ؛ فالإنسان يستعقب من دخول الحمّام مع خفّة البدن وانفشاش الفضول عليه طيب نفس وانشراح صدر ، ويستحدث سرورا يجد لطف موقعه من قلبه ، فتجتمع له في الاستحمام اللذّة / الجسمانيّة واللذّة النفسانيّة معا ، وهذه فضيلة شريفة من فضائل العلاجات . ثمّ من شريف مرافقه أنّه كما اجتمع فيه أن تكون لذة نفسانيّة ولذّة جسمانيّة ، فكذلك اجتمع فيه أن يكون لذّة ويكون علاجا ، فقد علم أنّ الناس يدخلونه لهذين الغرضين ، وأنّه يتعالج به من علل صعبة . ثمّ ممّا اجتمع فيه بعد ذلك من المرافق أنّه قد يكون علاجا لعلل متضادّة ، وذلك أنّ الحمّام قد يأخذ من البدن مرّة ويعطيه أخرى ، وهو لكلّ واحد من الوجهين يفعل فعلا مخالفا لما يفعله بالوجه الآخر . وأمّا منفعته من جهة الأخذ فمثل تأثيره في صاحب البلغم المتأذّي بكثرة الرطوبة والبرودة ، فإنّه إذا صار إلى البيت الداخل منه « 1 » ، وأطال المكث فيه ، وسال منه العرق الكثير ، قلّل ذلك من رطوبته ، وكسّبه حرارة ويبسا ، فيصير علاجا له . وأمّا منفعته من جهة الإعطاء فمثل تأثيره في صاحب / الصفراء ؛ فإنّه إذا
--> ( 1 ) أي : البيت الداخل من الحمام .